مجد الدين ابن الأثير
4
النهاية في غريب الحديث والأثر
والألفاظ المفردة تنقسم قسمين : أحدهما خاص والآخر عام . أما العام فهو ما يشترك في معرفته جمهور أهل اللسان العربي مما يدور بينهم في الخطاب ، فهم في معرفته شرع سواء أو قريب من السواء ، تناقلوه فيما بينهم وتداولوه ، وتلقفوه من حال الصغر لضرورة التفاهم وتعلموه . وأما الخاص فهو ما ورد فيه من الألفاظ اللغوية ، والكلمات الغريبة الحوشية ، التي لا يعرفها إلا من عني بها ، وحافظ عليها واستخرجها من مظانها - وقليل ما هم - فكان الاهتمام بمعرفة هذا النوع الخاص من الألفاظ أهم مما سواه ، وأولى بالبيان مما عداه ، ومقدما في الرتبة على غيره ، ومبدوا في التعريف بذكره ، إذ الحاجة إليه ضرورية في البيان ، لازمة في الإيضاح والعرفان . ثم معرفته تنقسم إلى معرفة ذاته وصفاته : أما ذاته فهي معرفة وزن الكلمة وبنائها ، وتأليف حروفها وضبطها ، لئلا يتبدل حرف بحرف أو بناء ببناء . وأما صفاته فهي معرفة حركاته وإعرابه ، لئلا يختل فاعل بمفعول ، أو خبر بأمر ، أو غير ذلك من المعاني التي مبنى فهم الحديث عليها ، فمعرفة الذات استقل بها علماء اللغة والاشتقاق ، ومعرفة الصفات استقل بها علماء النحو والتصريف ، وإن كان الفريقان لا يكادان يفترقان لاضطرار كل منهما إلى صاحبه في البيان . وقد عرفت - أيدك الله وإيانا بلطفه وتوفيقه - : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أفصح العرب لسانا ، وأوضحهم بيانا . وأعذبهم نطقا ، وأسدهم لفظا . وأبينهم لهجة ، وأقومهم حجة . وأعرفهم بمواقع الخطاب ، وأهداهم إلى طرق الصواب . تأييدا إلهيا ، ولطفا سماويا . وعناية ربانية ، ورعاية روحانية ، حتى لقد قال له علي بن أبي طالب كرم الله وجهه - وسمعه يخاطب وفد بني نهد - : يا رسول الله نحن بنو أب واحد ، ونراك تكلم وفود العرب بما لا نفهم أكثره ! فقال ( أدبني ربي فأحسن تأديبي ، وربيت في بني سعد ) . فكان صلى الله عليه وسلم يخاطب العرب على اختلاف شعوبهم وقبائلهم ، وتباين بطونهم وأفخاذهم وفصائلهم ، كلا منهم بمايفهمون ، ويحادثهم بما يعلمون . ولهذا قال - صدق الله قوله - : ( أمرت أن أخاطب الناس على قدر عقولهم ) ، فكأن الله عز وجل قد أعلمه ما لم يكن يعلمه غيره من بني أبيه ، وجمع فيه من المعارف ما تفرق ولم يوجد في قاصي العرب ودانيه . وكان أصحابهرضي الله عنهم ومن يفد عليه من العرب يعرفون أكثر ما يقوله ، وما جهلوه سألوه عنهفيوضحه لهم .